محمد الغزالي

156

خلق المسلم

الجماعة حتى يسلم للأمم كيانها ويبقى تماسكها ؛ وجدير بالأمة المسلمة أن تجعل حياتها جندية للّه ، وتاريخها جهادا موصولا لإعلاء الحق وحماية دعوته ، وظاهر أمرها وباطنه ترفعا عن فتن الدنيا وملاهيها الصغيرة . أما التهالك على الشهوات والتهاوي في المحرمات فهو فرار من التكاليف ونكوص عن الجد ، وتضييع لمعالم الشرف ، وتلك خلال إن تسربت إلى أمة وأدتها . روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « سيكون رجال من أمتي يأكلون ألوان الطعام ، ويشربون ألوان الشراب ، ويلبسون ألوان الثياب ، ويتشدقون في الكلام ؛ أولئك شرار أمتي » « 1 » . وإنك لترى مصداق هذا الحديث في أقوام ورثوا الدين كلاما ، واتخذوه لهوا ولعبا فضاعوا في الدنيا ، وضاعت بينهم حقائق الدين . * * * إنّ اللّه نعى على قوم ولعهم باللذائذ وافتتانهم بالمرح واللهو ، وانحصارهم في مطالب الجسد ودنيا الغرائز السفلى ، فقال : وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ : أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها ، فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ « 2 » . وعندما يلقون عقوبتهم يذكرون بأن ذلك لفقدانهم العفاف والقصد ، وانطلاقهم مع الغواية والمجون . ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ « 3 » . والحق أن كفلا ضخما من تصدع الدولة الإسلامية يرجع إلى ضياع العفة وشيوع الملذات ، وقد حذر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمته من هذا الانحلال النفسي . فعن أبي برزة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنما أخشى عليكم شهوات الغي في

--> ( 1 ) الطبراني . ( 2 ) الأحقاف : 20 . ( 3 ) المؤمن : 75 .